الشيخ عبد الغني النابلسي
31
كتاب الوجود
كما قالوا بأنها ليست عين الذات ، ولا غيرها ؛ لأنا نقول الوجود ، وإن صح فيه ذلك الاعتبار أيضا ، كباقي الصفات ، إلا أنه ليس مساويا لبقية الصفات من جهة أن جميع الصفات من ضرورتها اعتباره فيها ، فهي موجودة به وليست هي معتبرة فيه ، فلا ضرورة في اعتبارها فيه ، وهذا من جعل الوجود صفة للقديم سماه صفة نفسية وميزه عن جميع الصفات ، وقال : إن جعله صفة للقديم جرى على مقتضى اللفظ ؛ حيث يقال : ذات مولانا عزّ وجلّ موجودة ، فهي صفة مجاز ، ولم يعتبر ذلك في بقية الصفات كما صرح به السنوسي « 1 » - رحمه اللّه تعالى - في شرح مقدمته ؛ فلأجل هذا الأمر قلنا نحن بأن الوجود هو ذات القديم عزّ وجلّ ، ولم نقل إنه صفة من صفاته كباقي صفاته ؛ تسهيلا على العبد في سلوك طريق العرفان . وإن كنا لم نرد به معنى الوجود المتبادر للأذهان ؛ وإنما أردنا الأمر الواحد الذي قامت به الحوادث كلها في نظر كل إنسان كما قدمناه . وذكر الشيخ العارف باللّه تعالى عبد الرحمن الجامي - قدس سره - في رسالته التي صنفها في تحقيق مذهب المتكلمين والحكماء والصوفية ، قال : « وأما الصوفية « 2 » القائلون بوحدة الوجود فلما ظهر عندهم أن حقيقة الواجب تعالى هي الوجود المطلق لم يحتاجوا
--> ( 1 ) السنوسي : هو أبو عبد اللّه محمد بن علي السنوسي الخطابي ، وكان صوفيّا ، وقيل : تصوفه من التصوف السياسي ، واسم السنوسي نسبة إلى قبيلة بنى سنوس من قبائل تلمسان ، وتعزى إلى جبل هناك يسمى أسنوس ، وقد التحق بالأزهر ، ثم غادر القاهرة إلى مكة ، وفيها التقى بأستاذه أحمد بن إدريس الملقب بأبى العباس العرائشي ، وأخذ عنه التصوف ، وتقوم السنوسية على العبادة والنسك الشديدين ، حتى ليكاد المريد أن يشرف على الهلاك ، ولما توفى السنوسي خلفه ابنه محمد المهدي . [ انظر : موسوعة الفرق والجماعات ( 250 ) ] . ( 2 ) تنقسم وحدة الوجود في التصوف الفلسفي إلى قسمين : الأول : مذهب القائل بوجود الممكنات أو المخلوقات على نحو ما ، ويسمى هذا المذهب بوحدة الوجود غير المطلق . والثاني : مذهب القائل بإطلاق القول بالوحدة ، وهؤلاء هم أصحاب الوحدة المطلقة . وتصوف وحدة الوجود هو التصوف المبنى على القول بأن ثمة وجودا واحدا فقط ؛ وهو وجود اللّه ، أما التكثير المشاهد في العالم فهو وهم على التحقيق ، تحكم به العقول القاصرة ، فالوجود إذن واحد لا كثرة فيه . [ التصوف الفلسفي ( 34 ) ، نقلا عن المعجم الفلسفي ، ( 2 / 569 ) ] .